Sunday, August 10, 2008

محمود... وداعا

Photo by AP

كنت أقوم اليوم بإعادة ترتيب المكتبة وتصنيف الكتب فيها، فصرت اقلب صفحات الكتاب تلو الآخر، ومنها دواوين محمود درويش، فعادت بي الذاكرة الى ايام المراهقة عندما كنت ارتقي درجات السلم والمعرفة إلى مكتبة أبي لأجول بين كتبه التي تفوح منها رائحة القاهرة ايام الستينات وأقرء كتبه، الادبية في الغالب، ومنها النسخ الصغيرة التي اصدرتها دار العودة لأوائل دواوين محمود درويش

قرأت لعدة شعراء، منهم من كان يطربني بشعره ومنهم من يحزنني ومن يسعدني ومن يملؤني تأملا بالمعاناة والنضال والمقاومة والتحدي، كما يملؤني تفكيرا بالحب والوفاء والاصرار، هذا الاخير كان محمود درويش
ولو شئت أن أحصر ما كتب عنه محمود درويش لعجزت يداي وعقلي، ولكن لي أن أتذكر بعضا مما قال، ومنه

يحكون في بلادنا يحكون في شجن عن صاحبي الذي مضى و عاد في كفن

هكذا رحل، كصاحبه.. مضى وعاد في كفن
أتاه الموت في الغربة، فالموت.. يقول محمود
فإن الموت يعشق فجأة مثلي وإن الموت، مثلي، لا يحب الانتظار


ولكن الموت يا محمود، لم يكن قويا كما تريد، أفلم تخاطبه في جداريتك العظيمة قائلا
.. ويا مَوْتُ انتظرْ
ياموتُ ،
حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع وصحّتي
لتكون صيَّاداً شريفاً لا
يَصيدُ الظَّبْيَ قرب النبع
فلتكنِ العلاقةُ بيننا وُدّيَّةً وصريحةً : لَكَ أنَتَ مالَكَ من حياتي حين أَملؤُها ..


وأكملت فيها


لا تحدق يا قويُّ إلى شراييني لترصُدَ نُقْطَةَ الضعف الأَخيرةَ
أَنتَ أَقوى من
نظام الطبّ
أَقوى من جهاز
تَنَفُّسي
أَقوى من العَسَلِ القويّ ،
ولَسْتَ محتاجاً - لتقتلني - إلى مَرَضي فكُنْ أَسْمَى من الحشرات


ولكن الموت حق، والحق معك لم يكن قويا

لم يكن قويا كالحق الذي كتبت فيه شعرا قرابة الخمسين عاما
حق الناس في الحياة، في الحب، في أرضهم، في الهوية
الهوية التي رفضتها ورقا، وعشتها فكرة وقلت
كل قلوب الناس جنسيتي فلتسقطوا عني جواز السفر


ومالك ومال الاوراق، فانت كاتبها، أفلم تكن كاتب إعلان الاستقلال الفلسطيني قبل عشرين عام
والذي ربطت التاريخ فيه بحق الشعوب ومستقبلها وهويتها
الهوية التي كنت شاعرها، الهوية التي سألت عنها المرحوم العظيم ادوارد سعيد شعرا، فأجابك بلسانك
الهوية؟ قلت
قال دفاع عن الذات
إن الهوية بنت الولادة
لكنها في النهاية إبداع صاحبها
لا وراثة ماض


وقلت فيها أيضا
الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما نتذكر. الهوية هي فَسادُ المرآة التي يجب أن نكسرها كُلَّما أعجبتنا الصورة


والهوية هي التي تحديت المحتل بها، ووجهت رسالتك إلى قاتل فقلت
إلى قاتل
لو تأملت وجه الضحية
وفكرت
كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز
كنت تحررت من حكمة البندقية
وغيرت رأيك
ما هكذا تستعاد الهوية


تلك الفكرة التي كنت السباق فيها، كعادتك، فأرختها شعرا
فأصبح الناس يكررون من بعدك أن الفلسطينيين أصبحوا ضحية الضحية
فكرة تزعج المحتل فهو الضحية بلا منازع، كما يرى نفسه


ويا للأسف، فالفلسطينيون، أو الضحية الجديدة، سقطوا على أيدي ابناء عمومتهم في صبرا وشاتيلا، فقلت
سقط القناع
عرب اطاعوا رومهم
عرب وباعوا روحهم
عرب وضاعوا
سقط القناع


ويا ليت حزنك وحزننا توقف عند ذلك، ولكن أتى اليوم الذي رأيت فيه الضحية الجديدة، بعد خيبتي الامل الاولى من الاجنبي والثانية من العربي، رأيته يعيش خيبة ثالثة... ممن؟ من الأخ
فقلت قبل عام وشهرين عن الاقتتال الفلسطيني-الفلسطيني تحت عنوان: أنت منذ الآن غيرك
أعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين: إن لم نجد مَنْ يهزمنا ثانيةً هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى

ويا ليتنا نفكر بغيرها، فنستمع إليك ونفكر في غيرنا ونردد خلفك
وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيركَ لا تنس شعب الخيام
ْ
وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّر بغيركَ ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام
وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكِّر بغيركَ مَنْ فقدوا حقَّهم في الكلام
وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك
قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام


ايه يا محمود، يا محمود الشعر يا شاعر الهوية، يا ليتنا كنا معك بل ليتك كنت معنا، في بلادك التي تغنيت فيها شعرا، بحقها بدمها بهويتها بترابها بأهلها ببيوتها بزيتونها وبرتقالها وياسمينها، بأرضها عندما قلت

أنا الأرض ...
يا أيّها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها
أحرثوا جسدي !
أيّها الذاهبون إلى جبل النار
مرّوا على جسدي
أيّها الذاهبون إلى صخرة القدس
مرّوا على جسدي
أيّها العابرون على جسدي
لن تمرّوا
أنا الأرض في جسد
لن تمرّوا
أنا الأرض في صحوها
لن تمرّوا
أنا الأرض . يا أيّها العابرون على الأرض في صحوها
لن تمرّوا
لن تمرّوا
لن تمرّوا


تناساك كثر في حياتك، فهل سيكابرون بعد مماتك؟

8 comments:

EXzombie said...

للأسف تعرفت عليه متأخرا(في الاردن) و لكن لدي مجموعة مميزة من اعماله

و عزائي انني استكملها


كزهر اللوز أو ابعد

عرفني عليه شخصيا، فانا كنت للتو حديث الوصول لعمان، و حالي كحاله، اول مرة يحضر عمان لتوقيع اعماله، و كنت مع بعض الشباب، لم اكن اعرف من هو، و حتى لما وقع على نسختي لم اكن مهتما كثيرا بذلك

عدت و قرأت كتابه في نفس اليوم، رغم ان الغلاف لم يشدني، فانا للآن لا اقتنع بشاعر تتصدر صورته صفحات ديوانه

اعجبت بقصيدة طباق المهداة الى ادوارد سعيد و قد اغراني ان اجدد قراءتي لنتاج ادوارد

الله يرحمه

ولاّدة said...

أيا جار

ظل شاعرنا يغني للموت
يا موت انتظر
إلا أن عزرائيل -قليل الذوق- لم ينتظر وأبى إلا أن يستعجل الرحيل ليحرمنا من إبداع آت وقصائد لم تكتب بعد


عظم الله أجرك

Hanan said...

عزيزي

الكلام ...كل الكلام يخذلني

الله يرحمه

ترك الحصان وحيدا

من عادتي ان أقرأ بصمت و دون أن اعلق

و لكن هذه المرة اردت أن أقول شيئا ...أي شي و لكن تخذلني الكلمة

شكرا لك على هذه التدوينة

NewMe said...

تتجلى روعة محمود
في لغته التي لا تفنى
كان يصيغ الحروف قلائد
ما نظمت هنا جميل
يخرس السنة تطاولت عليه
قبل أن تهدأ روحه
محمود
لا يزال يتنفس في خلايانا
وكل واحد يعرف المعنى الحقيقي
لشاعر الانسانية
شكرا لك
دمت بحب
تحياتي

يعقووبوو said...

ذكرتني في كتبي..
صايرلي 11 شهر من نقلة من غرفة إلى اخرى وانا حاطهم عالأرض وماشلتهم ومالي خلق ارتبهم اخذ اي كتاب موقاريه عالماشي واقراه وان خلصت ارجعه

ملاحـظـة said...

حزني على ما كان سيأتي
لو قرر الموت ان يمضي دونه

Alia said...

في آخر أمسية شعرية له، كانت معظم القصائد التي ألقاها تتحدث عن الموت

هل كان يعلم عندما ودع أمه وأخواته رافضا الوداع الحميم، إلا حضن أمه وكأنه وداعهم الأخير . هل كان يعلم بما سيكون؟ أهو قدر الشعراء أمثاله أن يزورهم الموت المرة تلو الأخرى حتى يغلبهم

رحمه الله عليك يا أحمد الربعي ويا محمود درويش .. حصاد 2008

شرقاوي said...

زيارة قصيرة، لأبارك لك بدخول الشهر الفضيل.

و عسى صيامنا ما يكون مثل صيام أهل غرناطة.

;)